إذا رزق الله العبد قلبًا يتفكر، صار يرى ما وراء اللحظة، فلا تغره زينة الحاضر، ولا يخدعه بريق الدنيا الزائل. فالعاقل لا يقيس الأمور بما هي عليه اليوم، وإنما بما ستؤول إليه غدًا؛ لأن النهاية هي التي تكشف حقيقة البدايات.
ومن أيقن أن رحلته إلى الآخرة طويلة، وأن بينه وبين ربه موقفًا لا ينجو فيه إلا الصادقون، أعد الزاد قبل أن يحين موعد الرحيل، فإن المسافر الحكيم لا ينتظر حتى يتحرك الركب ثم يبحث عن متاعه.
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾
(سورة الحشر: 18).
فهذه الآية تجعل المؤمن يعيش بعينين: عين تنظر إلى حاضرها، وأخرى تنظر إلى ما قدمته ليوم الحساب.
وما أعجب حال الإنسان! يعلم أن الموت حق، وأن القبر أول منازل الآخرة، وأن الدنيا إلى زوال، ثم يعيش كأن هذه الحقائق تخص غيره. يخاف كلام الناس، ويجتهد في رضاهم، وربما أغضب ربه في سبيل ذلك، مع أن الله سبحانه قال:
﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾
(سورة المائدة: 44).
وقال النبي ﷺ:
«الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعملَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها، وتمنَّى على الله الأماني.»
(رواه الترمذي، وحسنه عدد من أهل العلم).
وما أكثر ما ينتصر الهوى على اليقين؛ فتجد الإنسان يجاهد من أجل شهوة يشك في نفعها، ولا يجاهد نفسه على طاعة يعلم يقينًا أنها سبب نجاته. يترك المؤكد طلبًا للمظنون، ويبيع الباقي بالفاني.
ومن أعجب العجائب أن يفرح المرء بما يظنه نجاحًا، وهو لا يدري أهو استدراج أم إكرام؟ وأن يضحك طويلًا وهو لا يعلم بأي خاتمة سيختم له.
قال تعالى:
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
(سورة لقمان: 33).
وتغتر بصحتك، وكأن المرض لا يعرف طريقًا إليك، وتبني خطط السنين وكأن الأجل قد كُتب بيدك، مع أن أنفاسك معدودة، وأيامك محسوبة، وما مضى منها لن يعود.
كم من صحيح خرج من بيته فلم يعد، وكم من مريض ظنه الناس هالكًا فأصبح معافى؛ فالأعمار ليست بالأسباب وحدها، وإنما بأمر الله وقضائه.
قال سبحانه:
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾
(سورة لقمان: 34).
لقد مرت عليك الجنائز، ووقفت على القبور، ورأيت من كانوا يملكون المال والجاه والسلطان، ثم صاروا تحت التراب لا يملكون لأنفسهم شيئًا. فكل جنازة تمر أمامك رسالة، وكل قبر تراه مرآة لمستقبلك.
قال رسول الله ﷺ:
«أكثروا ذكر هادم اللذات.»
(رواه الترمذي والنسائي، وصححه عدد من أهل العلم).
فلو أكثر الناس من ذكر الموت، لزهدوا في كثير مما يتنافسون فيه، ولصلحت الخصومات، وخفت الأحقاد، واستقام العمل.
وكم رأينا صاحب قصر أصبح القبر داره، وصاحب سلطان صار رهين عمله، وصاحب تجارة ترك أمواله يتقاسمها الورثة، ولم يأخذ معه إلا صحيفة أعماله.
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾
(سورة الرحمن: 26-27).
ولله در القائل:
إذا ما قال لي ربي أما استحييت تعصيني؟
وتُخفي الذنب عن خلقي وبالعصيان تأتيني؟
وقال آخر:
تزود من التقوى فإنك لا تدري
إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ
وكم من سقيمٍ عاش حينًا من الدهر
وقال أبو العتاهية:
ألا ليت الشباب يعود يومًا
فأخبره بما فعل المشيب
فإن الشيب والموت والمرض كلها رسائل متتابعة، يخاطب الله بها عباده، لعلهم يرجعون.
أيها السائر إلى ربك… إن كل يوم يمضي يطوي صفحة من عمرك، ويقربك من آخر منزلة في الدنيا وأول منازل الآخرة. فلا تجعل همك ما ستجمع، ولكن ما ستقدم، ولا يكن شغلك كيف تعيش، بل كيف تلقى الله.
فالدنيا ظل زائل، والآخرة دار القرار، والسعيد من وقف مع نفسه قبل أن يُوقَف للحساب، وحاسبها قبل أن تُحاسَب، واستعد للقاء ربه بقلب سليم وعمل صالح.
﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
(سورة الشعراء: 88-89).
فاللهم ارزقنا قلوبًا يقظة، وأعينًا تعتبر، وأعمالًا صالحة، وحسن خاتمة، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، وأنت راضٍ عنا.
